كربلاء في القرن الثالث عشر

ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط ، ورقي وانحطاط . تارة تنحط فتخضع لدول الطوائف . وطورا تعمر متقدمة بعض التقدم الى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانية سنة 914 هجـ . وأخذت تتنفس الصعداء مما أصابها من نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها . وبقيت مطمئنة البال مدة طويلة تزيد على ثلاثة قرون (1) . ولم تر خلالها ما يكدر صفو سكانها حتى مفتتح القرن الثالث عشر الهجري .
اذ كان هذا القرن من مبتدئه الى منتهاه من أسوء القرون التي مرت بها المدينة المقدسة . كأنما القدر أبى أن تعيش ولو الى حين في طمأنينة وهدوء . فأنزل ضربته القاضية بما حل بها من محن واراقة دماء وخراب ونهب . وان كان ما حل بهذه المدينة المقدسة ـ في هذا القرن ـ لم يقتصر عليها وحدها ولم يختص بها بل عم جميع البلاد ، وشمل البلاء سائر العباد .
ونظرا لعدم تسلسل الحوادث وترابطها وعدم وقوع حوادث ووقائع متتالية في قرن واحد كهذا القرن في القرون الماضية . فرأينا عدم تثبيت تلك الحوادث هنا . ولا يعني هذا خلو القرون الماضية من الحوادث والوقائع المهمة بها . بل العكس من ذلك ، اذ حفظ التأريخ لنا حوادث غاية في الأهمية جرت على بسيط أديمها . وقد ذكر ذلك صاحب الكامل وغيره لكن في قرون متباعدة (2) .
____________
(1) أي من بعد غارة المولى علي بن فلاح المشعشعي سنة ( 858 ) هجـ الى حادثة الوهابيين سنة ( 1216 ) هجـ .
(2) اليك سردا موجزا بهذه الحوادث . . يحدثنا ابن مسكويه في تجاربه _ ج 6 ص 338 ) وابن الاثير في الكامل ( ج 7 ص 153 ) : في سنة 369 أغار ضبه الأسدي على كربلاء وانتهك حرمة المشهد بالحائر ونهب ما وجد

( 24 )

وأستميح القاريء عذراً لتركي ذكر السنين والشهور والأيام على الترتين من مبتدأ هذا القرن حتى منتهاه ، كما يقتضى اذ هو من سنن
____________
فيها . وكان ضبه هذا « من أهل عين التمر كثير العشائر وقد جرت عادته بالتبسط بأن يشن الغارات على أ طراف بغداد . ويمنع من جلب الميرة اليها ففعل ووجد الطريق الى بغيته فنهب السواد وقطع السبيل . ( تجارب الامم ج 6 ص 153 ) فأرسل عضد الدولة سرية الى عين التمر في طلب هذا الصفاك ضبه الأسدي فلم يشعر الا والعساكر معه فترك أهله وماله ونجا بنفسه . وأخذ ماله وأهله وملكت عين التمر . فكان ما جرى عليه عقابا لما فعله بالحائر . وراجع أيضاً المنتظم ج 7 ص 101 وفي سنة 489 هجـ غارت خفاجه على كربلاء ودخلوا المشهد الحسيني وتظاهروا فيه بالفساد والمنكر . فوجه اليهم سيف الدولة صدقه بن مزيد الأسدي صاحب الحلة جيشا فكبسوهم . وقتلوا منهم خلقاً كثيراً في المشهد حتى عند الضريح . وقد ذكروا أيضاً ان رجلا منهم قد ألقى نفسه هو وفرسه من أعلى السور فسلم هو والفرس ( الكامل ج 10 ص 108 ط : ليدن . والبداية لابن كثير ج 12 : ص 152 . وراجع أيضاً المنتظم لابن الجوزي ج 9 ص 97 ) .
وفي حوادث سنة 513 هجـ يحدثنا ابن الجوزي في المنتظم( _ ج 9 ص 207 ) بأن دبيس بن مزيد الاسدي كسر المنبر الذي في مشهد علي عليه السلام والذي في مشهد الحسين ( ع ) . وقال : لا تقام هاهنا جمعة ولا يخطب أحد » . من البديهي ان هذا العمل لم يكن عدائيا ، وأنما كان انكارا لذكر المسترشد في الخطبة بالمشهد الحسيني . لان دبيس هذا كان أحد أعاظم الشيعة .
وفي شوال سنة خمس وتسعون وسبعمائة فتح تيمور لنك المغولي بغداد . ففر حاكمها السلطان أحمد الجلائري الى كربلاء ( توزك أمير تيمور الكوركاني ص 42 ) . فتبعه جيش تيمور ، فلحقه في كربلاء فدارت في صحرائها وتحت لهيب شمسها المحرقة رحى معركة طانحة . أ جاد في وصفها ميرخواند صاحب ( روضة الصفاء في المجلد السادس ( فقد جاء فيه ما ترجمته : . . فهرب السلطان أحمد الجلائري فتعقبه الامير تيمور بجنده ، ولكن خواصه التمسوا منه البقاء في بغداد . وانهم سوف يعقبونه ، فنزل الامير تيمور عند رغبتهم . أما الذين تعقبوا السلطان أحمد . وصلوا صباحاً الى شاطئ الفرات . وعلموا ان السلطان قد عبر النهر وأغرق جميع السفن . وقطع الجسر الذي عليه . وانه ينوي الهروب الى دمشق عن طريق كربلاء . وهنا اختلفوا في أي الطرق أصوب لسلوكه . وقرروا أخيرا أن يعبروا

( 25 )

مؤرخي العرب وسبيل الفطاحل من أئمتهم ، ولا غرو فقد صنفوا مؤلفاتهم
____________
الفرات . وهم في هذا الحال عثروا على أربع سفن فركبوها وعبروا بها الفرات . واقتفوا أثر السلطان . وقد وجدوا في طريقه كثيرا من الاموال والاسلاب والاطعمة كان قد تركها السلطان لما أصابه من الارتباك والحيرة . فغنموها .
خمسة وأربعون رجلا من الامراء والاعيان مثل : اينانج اغلان وجلال حميد وعثمان بهادر وسيد خواجه بن الشيخ علي بهادر وغيرهم . قد تقدموا جيشهم على سبيل التعجيل . فظفروا هؤلاء بالسلطان أحمد في سهل كربلاء . وكان مع السلطان 2000 فارس . تقدم منهم مائتا فارس . فالتحم القتال بين الفريقين وترجل الامراء من خيولهم مرتين مستعدون للقتال . وقد انهزم أعدائهم من كثرة ما رشقوا بالنبال وقد ركب الامراء ثاني مرة ولحقوهم .
وفي الكرة الثالثة حمل أتباع السلطان أحمد على الامراء حملة عنيفة . بحيث لم يتمكن هؤلاء حتى من النزول عن خيولهم . وتلاحم فرسان وشجعان الطرفين في رحى معركة حامية الوطيس . وقد أظهر الامير عثمان بهادر في ذلك اليوم شجاعة وبسالة فائقتين وقد كلت يده من كثرة الضرب والطعن . أما السلطان أحمد فقد انتهز فرصة التحام الطرفين في القتال ، وهرب وأوقع الامراء الهزيمة بجيش السلطان ، وقد غنم الامراء أمواله ونفائسه التي تركها في ساحة المعركة . وكان من بين اسرى السلطان نسائه ، وولده علاء الدولة مع جمع من أفراد عائلته ، ثم قصد بعد ذلك عثمان بهادر وجماعته الى التبرك بزيارة المشهد الحسيني وتقبيل أعتابه الشريفة .
وجاء في روضات الجنان للخونساري عند ترجمته لخلف المشعشعي ومجالس المؤمنين للشوشتري ( ص 405 ) : في المائة التاسعة نهب المشهدين الشريفين علي بن محمد بن فلاح المشعشعي ملك الحويزة وسبا أهلها ، وقادهم الى مقره . وقد جاء في تأريخ الغياثي ( المخطوط في مكتبة المتحف العراقي ) ص 217 عن المولى المشعشعي ما نصه : ودخل يوم الاحد 23 ذي القعدة الى مشهد الغروي والحائري ، ففتحوا له الأبواب ، ودخل فأخذ ما تبقى من القناديل والسيوف ورونق المشاهد جميعها من الطوس والاعتاب الفيضة والستور والزوالي وغير ذلك ، ودخل بالفرس الى داخل الضريح . وأمر بكسر الصندوق واحرق ونقل أهل المشهدين من السادة وغيرهم بيوتهم .

( 26 )

في عصر رقي العرب وتمدنهم ، والحال غني عن البيان والايضاح عن كيفية ضبطهم للحوادث والوقائع بأوانها .
أما هذا القرن فهو أحد قرون تأخر العرب وسقوطهم ، اذ فاقوا البرابرة أنفسهم بما جروه على البلاد من الخراب والدمار ، فأنى لهم العلم بضبط الحوادث . وقيد كنه ترتيب الوقائع .
ويجدر بنا قبل أن نتكلم عن حوادث كربلاء الدامية في هذا القرن أن نعطف نظرنا الى مجرى أحوال العراق ، السياسية والاجتماعية . أبان الاحتلال العثماني لها ، ونعطي للقاريء فكرة موجزة عنها ، لكي نتقرب ونتمكن من اداء مقصودنا .
هذا ويقسم سير ادارة الحكم العثماني للعراق الى ثلاثة أدوار امتازت هذه الأدوار بعضها عن بعض لنفوذهم ويسطرتهم حيناً دون حين .
والذي يهمنا في معرض حديثنا هذا هو سير ادارة الحكم العثماني في العراق أبان الدور الثاني والثالث :

الدور الثاني

ابتدأ هذا الدور بعد هجوم نادر شاه على العراق ، ويقدر أوله بسنة ثلاث وستين بعد المائة والألف الهجرية ، وذلك عند اسناد ولاية بغداد الى سليمان باشا مملوك أحمد باشا .
وقد ولع سليمان هذا باقتناء المماليك ولعاً عظيماً لكونه منهم . وقد بذل جهدا كبيرا في سبيل تربيتهم وتعليمهم الفنون الحربية ، فعزز ذلك من مركزه ، وحط من أنفه المستحقرين شأنه فاشتهر اسمه وبعد صيته في ضبطه للامور وعبقريته الادارية . الا انه فتح للعقمانيين باباً لم يتمكنوا من ردمه الا بعد مدة من الزمن اذ فلتة زمام المبادرة من أيد الحكومة


( 27 )

العثمانية . ودخل العراق دورا جديدا استقل فيه الولاة المماليك عن الحكومة العثمانية ، فأطلقوا أيديهم في العبث بشؤونها ، فأخذوا يتنافسون فيما بينهم للتوصل الى السلطة ، واندلعت الثورات في البلاد . وقد آل حال هذا الدور الى وضع غريب . لا يمكن للباحث المحقق أن يصف تلك الحالة وصفها ينطبق على واقع الحال ، اذ كنت الاوضاع في تقلب عجيب ، لم تستقر فيها على مبدأ واحد .
ولما وقع بين المماليك من التنافس والتناحر على السلطة لم يبق للولاة تلك الأهمية والنفوذ التي كانت لولاة الدور الأول ، فهذا عبد الله باشا طلب من حمود رئيس عشيرة المنتفق بتسليم سعيد بن سليمان الكبير . فرفض هذا الأخير طلبه حفظا للجوار . فاضطر الوزير الى الخروج بنفسه لكي يحفظ ما تبقى للوالي من هيبة وسلطة . فاشتبك مع حمود في معركة حامية ، فدارت الكرة على الوزير لتفرق بعض أعوانه عنه . فأسرت عساكره ونهبت سرادقه ، ووقع هو نفسه في الأسر . فكبل بالحديد ووضع القيد في عنقه وأخذ الى السوق ذليلاً ، فخنق بها وقبر ، ثم نبش وقطع رأسه . فصار سعيد المستجير أميرا ، قام مقام الوزير لتعضيد حمود اياه اذ سير معه الجيوش الى بغداد ومكنه من ولايت أمرها وصيانتها من تطاول الأيدي ، واخضاع العصاة من أهل عصبياتها ، والمواقع الخارجة عن سيادتها . فهذه البصرة أخذها صادق شقيق كريم خان الزند بعد أن حاصرها مدة من الزمن دون أن يستطيع والي بغداد عمر باشا أن يفعل شيئاً لعدم وجود حامية في بغداد تعمل على استخلاص البصرة من ايدي الفرس . وذلك بالرغم من تشدد عبد الحميد واهتمامه للأمر ، وقيامه بارسال الجيوش لها من عاصمته ، فان ذلك لم يغن شيئاً ، اذ بقت البصرة بأيد الأعاجم حتى أن بلغ صادق الزند خبر وفاة أخيه ، فتركها فورا الى عاصمته شيراز طمعا بالسلطة . فعادت البصرة حينذاك فقط الى حوزة


( 28 )

الدولة العثمانية وذلك لميل أهلها .
ولعدم وجود حامية في بغداد استقل رؤساء الولايات ، كل بشؤون ولايته . خلا البصرة ، اذ كانت الحكومة العثمانية ترسل اليها من يحكمها تحت اسم : ( المتسلم ) . وبعضا الحلة .
هذا وكان العثمانيون معذورين من عدم تركهم الحامية فيها أو ارسال الجند لاخضاع المتمردين بها . وذلك لانشغالهم بأنفسهم وارتباك أمورهم . ولكنه اذا أعلن أحد ولاتهم العصيان عليهم . فلا يتعدى الحال أمرين . أما أن يتداركوا الأمر بالحال . أو ينتظرون ريثما يعينون والي جديد يسيرون معه جيشا لاخضاع الخارج عن ارادتهم ، وأخذ رأسه وارساله الى سرير السلطان .
وهناك وقع ما أغنى العثمانيين من تكبد هذه المشاق ، بما ظهر في البغداديين من الحماس والأقدام على عزل ولاتهم وقتل بعضهم ، ونصب من رغبوا فيه . وكان ذلك من السهل عليهم بمكان ، فقط كانوا يتقدمون الى تقديم محضر يطلبون فيه من الملك التصديق على تعيينه ، فبوصول هذا المحضر كانت تصدر الارادة موافقة على ذلك اذ لم يكن هناك من يبحث عن سبب ذلك .
ولسيادة الفوضى وكثرة القتل والنهب في البلاد ، اضطرب حبل الأمن وانقطعت طرق المواصلات بين البلاد . فألجأ هذا الحال الأمراء والولاة وبعض أهل الفضلب الى أن يبذلو الاموال لتشييد المعاقل والخانات ، وتوظيف الخفراء فيها وذلك لتأمين المسافرين من الأخطار . وليأخذوا بها قسطا من الراحة أيضا وتلك المعاقل موجودة حتى اليوم ، بعضها عامر والبعض الآخر على شرف الاضمحلال لترك الناس لها عندما استتب الأمن نوعاً ما وكانت القوافل لا تسير أكثر من ساعتين أو ثلاث . ولذلك راعوا في بناء هذه المعاقل أن تكون المسافة قليلة بين معقل وآخر ، فاذا خرجت


( 29 )

القوافل من كربلاء قاصدة بغداد أمت المعقل الاول الذي يسمي اليوم بـ ( خان العطيشي ) ، ثم الى معقل المسيب ثم معقل الاسكندرية ثم معقل المحمودية . وقد يمرون بثلاثة معاقل حتى يصلوا بغداد . ولم تكن المسافة بين معقل وآخر لتتجاوز الثلاث ساعات .
وبلغ الحال بها من السوء درجة أن أصبحت القوافل مهددة في أقل من هذه المسافة . وأصبح الصعاليك يضربون الأتاوة على ما يتمكنون من استيفائه . اذ لم تكن هناك قوة حازمة لتردعهم . فهؤلاء الزكاريت وليسوا هم الا من صعاليك البدو كانوا يجبون بما في بساتين كربلاء من التمر . وقد وصل الأمر من السوء درجة انه اذا اعترض أحد الأهالي عليهم أو تكلم عنهم بسوء فسوف يصبح وهو لا يملك من نفسه ولا أرضه شيئاً . وربما أجبروا الأهلين الى تفويضهم حق امتلاك بساتينهم . فكم ترك الاهالي لهؤلاء الصعاليك من الأراضي والبساتين اذ لليوم تطلق أسمائهم على القطع التي اغتصبوها .
فليت شعري ان كان هذا حال صعاليكها ومستضعفيها . فبالله ماذا يكون من أمر أهل عدتها وعدديها . فلا نستغرب اذن من أنهم قد ألقوا الذعر والفزع في نفوس أهل المدن الكبرى اذ أن لعصبياتهم وتحزبهم صار شرهم لا يطاق لنهب كل عشيرة ما يجاورها من النواحي والأقضية والمدن لزبيد الحلة وتوابعهاإذ إن موطنهمالجزيرة بين النهرين . ولخزاعة حسكة وتوابعها وموطنهم الديوانية ـ على انها إتخذت ديواناً لرؤسائهم ـ وللمنتفق البصرة لقرب موطنهم منها . ولبني لام بدرة وجصان ، وقد وصلت بغداد غاراتهم . وللضفير الذين هم من البدو الرحل عند ورودهم العراق : السماوة والرماحية . ولشمر كل العراق اذ انهم لا يأوون الى محل يختص بهم دون غيرهم .
ولربما اتفق هؤلاء جميعا وشاركهم من هم على شاكلتهم في حصارهم


( 30 )

للمدن . وقد صادف في بعض السنين أن ورد من الايرانيين الى كربلا بقصد الزيارة ما ينوف عددهم على الاربعين ألف زائر ، وفيهم زوجة شاه ايران . فتحركت عليهم أطماع العرب . فاتفقت : خزاعة وزبيد وشمر وآل ضفير الى نهبهم . فقصدوا كربلاء وحاصرواها مدة من الزمن ولوجود زوجة الشاه بينهم . خاف سعيد باشا والي بغداد حينذاك من عواقب الأمور . فاهتم لذلك وبعث داود الذي صار واليا على بغداد بعد حين لما عرف فيه من الكفاية والبسالة والاقدام . اذ كان ذلك باديا على محياه من نعومة اظفاره فقام داود بالمهمة التي عهدت اليه . اذ جرد ما تمكن من تجريده من المتطوعة ونزل الحلة الى أن تمكن بعد جهد جهيد من ردع هؤلاء الأعراب وتفريق جمعهم . فسير مع الفرس من يخفرهم الى النجف ثم أعادوهم الى بغداد وأوصلوهم الى مأمنهم .
ومما زاد في الطين بلة أخذت العشائر تغزو بعضها بعضاً . كما هو الحال الى اليوم داخل جزيرتهم لخلو فيافيها القاحلة من الحراثة والزراعة فلم ير أهلها طريقاً للعيش سوى غزو بعضهم بعضاً .
وحيث انهم كانوا حديثوا عهد بالنهب والغزو . ولم يكن بعد قد أصبح ذلك عرفاً بينهم . فصاروا يتوسلون بكل وسيلة ـ مهما كانت طفيفة ـ من شأنها أن تثير الفتن بينهم . حتى يتخذوا منها ذريعة لغزو بعضهم بعضا . فان ذلك بها لا يعد لكثرته ، فما وقع بين المنتفق وخزاعة فيما يلي السماوة كان من تلك الغارات . وكان لذلك يوما مشهودا انتصرت فيه خزاعة على المنتفق . وعلى مر الايام أصبح الغزو والغارة عادة لا ينكر شأنها . حتى ان البدو الذين هم داخل الجزيرة العربية كانوا عنه قدومهم العراق يغزون مواقعها لتقرر ذلك اذ ان الأمر صار بينهم سنة وعادة . وما وقع لأهل البادية بها لا يحصى عده وقد أدركنا جملة منها .
هذا وقد بلغ الحال بها من التأخر درجة بحيث صار الدور الاول من سير


( 31 )

ادارة حكم الولة العثمانية دور عمران وتقدم اذا قيس بهذا الدور .
وختم هذا الور بسقوط داود باشا الذي حكمها بضع سنين مستقلا عن نفوذ العثمانيين .
ولولا ما داهمه القضا في تدمير جيوشه بانتشار مرض الطاعون والوباء بينهم . لكان خطره على الدولة العثمانية تلو ما دهم العثمانيين من القائد المصري محمد علي . فذهبت مساعيه أدراج الرياح وقد أخذ أسيرا الى العاصمة وترك هناك تحت اسم ( شيخ الوزراء ) ثم بعث شيخا لحرم الرسول المكرم صلى الله عليه وآله وسلم . فقام بتلك الوظيفة المقدسة أخريات أيامه الى أن أدركه حمامه ، فقبر في بقيعها .
هذا وقد تدفقت الحياة مجددا بأوصال العثمانيين الخامدة عندما قام أحد سلاطينهم أبو السعود محمود الى قتل الينكجرية لسنة احدى وأربعين بعد المأتين والالف الهجرية . وقبض بيد من حديد على أمور الدولة . فأوقفها من هوة تقهقرها ، وسعى لاعادة شأنها واصلاح أمورها . عطف عند ذلك نظره على العراق وأنقذها من يد المتغلب عليها داود . بعد أن فوض شؤون ادارتها الى اللاز علي رضا .
الا ان العراق لم يتزود من تفقداته بسوى ذلك ، اذ اختطفته يد المنون فقام ولده عبد المجيد مقامه فكان مما هيئ له من أسباب السعادة أن عاصره المصلح الكبير الاول وأوحد رجالاتهم مصطفى رشيد ، فألبس دولته لباس الحضارة وأعاد اليها أبهة النضارة . فأنار العراق بظهور آثار الدور الثالث من سير ادارة الحكم العثماني للعراق .

الدور الثالث


ابتدأ هذا الدور بعد سقوط داود وولايت اللاز علي رضا عند مفتتح السادس والاربعون بعد المأتين والألف ، فقام هذا الوزير بشؤون اصلاح


( 32 )

أمور العراق ، ولم شعثها من ترك حاميات الجند في البلاد ، وقد نصب الحكام بها وبذل الجهد في سبيل تأمين السبل والطرق الا انه لم يدرك المقصود للهوى الذي كان في نفوس أهليه ، وما كان لهم من الاستحقار للقوة الحاكمة . اذ ان النفوس قد شرأبت الى الحرية عند زمن الانحلال في أواخر الدور الثاني وزاد ذلك أن بعض الولايات التي استقلت في عهد داود قد بقيت على انفصالها وخلاصة القول : ان أيام علي رضا على طول زمنها لم تنتج تمام ما قصده . الا انها انصرمت بهدوء وسلام . وفي أواخر أيامه توفي السلطان محمود وقام مقامه عبد المجيد . وانشغل بادئ أمره في استرجاع البلاد الشامية . وانتهى الامر الى عقد الصلح وختم الامر بينه وبين المصري محمد علي .
ثم عطف نظره نحو العراق ، وبعث للقبض على زمام أمورها محمد نجيب فأدرك هذا بذكائه ما حبس التوفيق عن سلفه اذ لم تأت بطائل اصلاحته لما في الأنوف من الشمخرة والخيلاء . فقصد أولا الى تأديب بني حسن والفتقة وطفيل داخل قضاء الهندية ، فاقتصر في حربهم على حبس جريان ماء فرات عنهم ومنعه من السيلان في شط الهندي اصف الدولة الا انه لم يقف على طائل بالرغم من تكبده لخسائر فادحة وعالج ذلك بنفسه الا أن الطبيعة كانت أقوى منه اذ انفلق السد ولم يمتثل الماء لأمره .
ثم ساق جيوشا يرأسها سعد الله أحد قواده وأمرهم بمحاصرة كربلاء واباحتها ، في واقعة سنأتي بتفصيلها ، فهابه العراقيون عندما توالت على الأطراف هجماته . فتسنى له من اجراء بعض الاصلاح من التشكيلات في ألويتها وأقضيتها ونواحيها من نصب أمراء وترك الجمد في البلاد .


( 33 )

على ان القصد الذي أنا في سبيل تدوينه عسر السلوك مع اشتهار حوادثها كحادثة الوهابي والمناخور ، وحادثة نجيب باشا وعلي هدله لكن ليس بالأيدي ما يعول عليه ، ولا من يعتمد عليه ليصح النقل عنه .
فاليك مثلا الواقعة الاخيرة المنسوبة لعلي هدله . فقد وقعت لسنة ثلاث وتسعين بعد المائتين والألف الهجرية . ولم يكن من لم يدركها . أو لم يشاهدها بل ان جل الأهلين قد شاركوا فيها أو شاهدوها عن كثب . فمع شدة تحرياتي لم أقع على مدرك يمكن التعويل عليه وضبطه سوى الكليات . فقد وقفت على رسالتين في المناخور احدهما عربي العبارة غير انه على غير ترتيب (3) والثاني فارسي العبارة (4) . الا انه أشبه شيء بالروايات منه بالوقائع التأريخية لشخص عاصر تلك الحادثة . ورسالة في واقعة نجيب باشا منظومة من بحر الرجز فارسية للميرزا زكي حسين الهندي ، وهو عند الحادثة شاهدا وقائعها . وأما أخبار نهب ابن مسعود بها . فقد وقفت على بعض حزادثها ضمن أخبار العلماء وتراجمهم ومرثية للشيخ محمد رضا الازري . وقد بلغني ان لوقعة علي هدله رسالة مدونة لبعض الأفاضل ، أرجو من الله أن يمكنني منها لكي اتمم بها قصدي . وعليه التكلان .
حتى اذا جاءت سنة 1216 هجرية جهز الامير سعود الوهابي جيشا عرمرما مؤلفا من عشرين الف مقاتل وهجم على مدينة كربلاء ـ وكانت على غاية من الشهرة والفخامة ينتابها زوار الفرس والترك والعرب ـ فدخل
____________
(3) قد تكون الرسالة المسماة بـ ( نزهة الاخوان في وقعة بلد القتيل العطشان ) لأديب كربلائي مجهول ممن عاصر هذه الحادثة . توجد نسخته المخطوطة عند السادة آل النقيب .
(4) لعله كتاب ( كاشف الاعجاز الذي يبحث في حادثة المناخور ، بالفارسية . منه نسخة خطية في مكتبة السيد عبد الرزاق الوهاب .

( 34 )

سعود المدينة بعد أن ضيق عليها وقاتل حاميتها وسكانها قتالا شديدا ، وكان سور المدينة مركب من أفلاك النخيل مرصوصة خلف حائط من الطين . وقد ارتكب الجيش فيها من الفضائع ما لا يوصف . حتى قيل : انه قتل في ليلة واحدة عشرين الف شخص .
وبعد ان أتم الأمير سعود مهمته الحربية التفت نحو خزائن القبر وكانت مشحونة بالاموال الوفيرة وكل شيء نفيس ، فأخذ كا ما وجد فيها وقيل انه فتح كنزا كان فيها جمة جمعت من الزوار . وكان من جملة ما أخذه لؤلؤة كبيرة وعشرون سيفا محلاة جميعها بالذهب ومرصعة بالحجارة الكريمة . وأوان ذهبية وفضية وفيروز والماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر . ومن جملة ما نهبه ابن سعود أثاث الروضة وفرشها منها 4000 شمال كشميري و 3000 سيف من الفضة وكثيرا من البنادق والاسلحة .
وقد صارت كربلاء بعد هذه الواقعة في حال يرثى لها ، وقج عاد اليها بعد هذه الحادثة من نجل بنفسه فأصلح بعض خرابها وأعاد اليها العمران رويدا رويدا (4) .
____________
(4) هذا ما ذكره المرحوم المؤلف عن هذه الحادثة . لكنه عثر بعد ذلك على بعض المؤلفات الفارسية الجليلة التي أرخت الحادثة بشيء من التفصيل .
ونحن نثبت ترجمتها هنا لما لها من القيمة التأريخية ولندرة وجودها وعدم تيسرها للقارئ العربي على الأقل .
فمن هذه المؤلفات مسير طالبي لأبي طالب بن محمد الأصفهاني . ط الهند سنة 1227 هـ .
« في الثامن عشر من ذي الحجة يوم غدير خم ( حيث كان معظم سكان كربلاء قد ذهبوا لزيارة النجف الاشرف بقصد الزيارة المخصوصة ) . اذ داهم كربلاء خمسة وعشرون ألف من الفرسان وقد امتطول الجياد العربية الأصيلة ـ وكانوا قبل ذلك قد بعثوا جماعة منهم الى ضواحي كربلاء وقد

( 35 )


____________
ارتدوا زي الزوار وجرى بينهم وبين عمر أغا والي كربلاء اتفاقا وكان هذا الوالي سنيا متعصبا ـ وعند دخولهم المدينة تعالت أصواتهم ( باقتلوا المشركين ) .
ـ وكان من البديهي أن عوقب عمر أغا آخر الامر بأمر من سليمان باشا والي بغداد ـ بعد القتل العام أرادوا أن يخلعوا صفائح الذهب الابريز من جدران المشهد الحسيني ولكن لاستحكامها ومتانة وضعها لم يستطيعوا ذلك . فقط خربوا قسما من الضريح الذي تحت القبة .
وفي الغروب فجأة وبدون سبب ظاهر غادروا كربلاء متجهين الى الحجاز وقد قتل في هذه الحادثة أكثر من خمسة آلاف شخص . أما الجرحى فلا يحصون لكثرتهم . وكان من جملة القتلى ميرزا حسن شاهزاده الايراني . وميرزا محمد طبيب اللكنهوري . وعلي نقي خان اللاهوري مع أخيه ميرزا قمر علي مع غلامه وخادمه » .
وقد جاء في ( زنبيل فرهاد ) لمعتمد الدولة ص 348 ( . . . ولده الاكبر سعود مع 1200 فارس غدار فداهموا كربلاء يوم الغدير سنة 1216 هجـ بصورة فجائية فعملوا في أهلها السيف فقتلوا ونهبوا وأسروا ما استطاعوا . فاستشهد في هذه الواقعة كثير من العلماء ومن جملتهم جناب الشيخ ملا عبد الصمد الهمداني ففاضت روحه الطاهرة .
ودقوا القهوة في الرواق الحسيني الشريف .
ولم تمض ستة أو سبع ساعات حتى كان عدد المستشهدين الذين فاضت أرواحهم الطاهرة يربوا على ستة آلاف شخص .
وكان أكثر أهالي كربلاء قد ذهبوا الى زيارة النجف الاشرف لزيارة الغدير المخصوصة . وفي عصر ذلك اليوم المشؤوم غادر سعود كربلاء الى دياره » .
وجاء أيضاً في مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ لسبهر ص 63 : « أسرع سعود مع أتباعه صوب النجف الاشرف . وحاصر قلعة النجف وهاجمها عدة مرات ولكن لم يتمكن منها . فرجع الى كربلاء وبـ 12000 فارس من أبطال الرجال . فغافل كربلاء وداهمها ـ وصادفت هذه الحادثة يوم عيد الغدير . وبدأ القتل والتذبيح بسكنة هذه المدينة حتى قتل منها خمسة آلاف رجل وامرأة . وكسروا الضريح المبارك وسرقوا الجواهر والثريات والمفروشات واللألئ التي كانت حصيلة قرون عديدة من الهدايا الثمينة من الخلفاء والامراء . ونهبت الخزينة والقناديل الثمينة . وبعد

( 36 )

وللشيخ محمد رضا اللازري يرثى ما حل بكربلاء من جراء ما فعله الوهابيون .
خطب على الطف قد غشى بطوفان فحط من جانبيه كل بنيان
وصلصلت فوقه سوداء عاتية ترخي السحائب من مثعنجر قاني
شوهاء تكشر عن انيابها كلحا فتبعث الموت عن تقطيب غضبان
ظلت تجليل في اعلاه مرعدة يكاد يجهش منها سمع كيوان
فما انجلت عن ضواحيه غياهبها حتى التقى الدم غدران بغدران
الله أكبر أي القارعات رمت جرثومة الدين فانثلت بأركان
فتلكم القوم صرعى في معابدها كأنهم زهر في فيئ أفنان
قتلى ترى الدم يجري حولهم دفعا كانهم أنهر من حول كثبان
والهفتا لو شفت والهفتا كمدا على رواعف أكباد واجفان
وارحمتا لمروعات ضمائرها على مصارع أشياخ وولدان

الى ان قال :
تلكم تئن وهايتكم تحن ولا مسترحمين ولا من مشفق حاني
كأن اطفالها والبيض تنهبها أفراخ ورقاء في أظفار عقبان
يا ليت شعري وهل ليت بنافعتي لو يحضر المصطفى في ذلك الآن
وينظر الحائر القدسي مسلخ جزار واولاده جاثين كالظان
كأن أجسادهم اذ ضرجت بدم در مناط عليه سمط مرجان

____________
ستة ساعات من هذه الاعمال البرية غادروا كربلاء » . لزيادة التعريف بهذه الحادثة راجع : تأريخ نجد لعبد الله فيلبي ص ـ وتأريخ العراق بين احتلالين لعباس العزاوي ج 6 ص 144 . وأربعة قرون من تأريخ العراق الحديث للونكريك . ومطالع السعود في أخبار الوالي داوود ص 168 .
( عادل )

( 37 )

الى ان قال :
رزء تحار له الرهبان لو سمعت من دير سمعان لا بل دير سمعان
او طاق كسرى بن ساسان يعيه اذا لصدع الطاق من كسرى بن ساسان
يا غيرة الله للارحام جامحة لرضع ما أتوا يوما بعصيان
الى ان قال :
لشيبة خضبت بالدم وهي على محرابها بين مصباح وقرآن
لفتية دفنوا من غير ما غسلوا ولم تزود بكافور واكفان
لروعة هجمت والناس غافلة فأعصوصبوا فرقا من طيش اذهان
الى ان قال :
لمعشر أعلنوا التوحيد والتجأوا له فلم يرع توحيد باعلان
لأرؤس لجلال الله راكعة حزت بعد الظبا تهوى لاذقان
الى ان قال :
للموحشات اللواتي لا أنيس لها الا تجاوب ضرغام وسرحان
للجائعات اللواتي للقرى رفعت آباؤها نارهم في كل ازمان
للجائعات اللواتي بعد ما سلبت ظلت توارى باحقاف وجدران
لكل عشر سلبيات تستر في عبائة بين اخفاء واعلان
لمعشر محضوا الايمان واعتصموا بالصبر والصبر مرسي كل ايمان
لقتل خمسة آلاف بآونة من النهار سوى المستشرف الفاني
الى ان قال :
لم ادر أي رزاياهم اعج لها لذبح صبية أم هتك لنسوان
الى ان قال :
فلا وربك لا تبصر لها مثلا في كل ما جهة في كل أزمان

( 38 )

ومن رأى يوم تشريق بغير منى وهديه العز من علياء عدنان
سن ابن سعد سبيلا واقتدى ابن سعو د الشقي به ضل الشقيان
الى ان قال :
فسل بهابيل اذ قابيل غال به من المحق ففيها اي تبيان
وسل بقصة نوح اذ مضت حقب من قومه ما لقي في ذلك الآن
وتلك عاد عتوا عن أمر ربهم فمتعوا زمنا يتلا بازمان
وسل بساحر فرعون الالى صلبوا من بعد ما قطعت أيد ورجلان
وسل بموسى بن عمران وسيرته ماذا رآه اذاً موسى بن عمران
وسل طواغيت اهل السبت كم قتلوا منهم نبيا وكم لجوا بطغيان
فلم يعجل لهم ذو العرش قطعهم بل لم يعجل لفرعون وهامان
وسل بقصة اهل الرس ما فعلوا بالأنبياء وما عاثوا بعصيان
وسل بعيسى رسلو الله ما فعلت به اليهود وما جاؤا ببهتان
وسل بما لقى المختار من سلفي قريش اذ خرجوه ثاني الثاني

< TABLE> وسل باحد وما لاقي النبي به من شج رأس ومن القاء اسنان وسل خزاعة في البيت الحرام وما لاقوة من حزب اصنام واوثان وسل بحتف ابى حفص ومصرعه وسل بمصرع عثمان بن عفان وسل بتحف امير المؤمنين ابي الـ سبطين اذ غاله الأشقى برمضان وسل بسم سليل المصطفى الحسن الزاكي اخي الشرف القدسي والشان وسل بما لقى السبط ابن فاطمة من ابن مرجانة في طف كوفان وسل بنازلة الحرى التي نزلت بعقوة المصطفى تذكوا بنيران حيث الدماء جرت ما بين منبره وقبره جرى أنهار وغدران وسل بما لقيته آل حيدرة من آل مروان لا رعيا لمروان وسل بقتك بني العباس بعدهم بالفاطميين من شيب وشبان وانظر الى قصص القرآن اجمعها ترشدك والصبح لم يحتج لبرهان
( 39 )

هاتي طريقة اهل الله من قدم لم يمض من اول الا اقتفى الثاني
الى ان قال :
يا راكبا ظهر علباء عذافرة يكاد يسبق منها الطرف خفان
الى ان قال :
بلغ ابا حسن مني مغلغلى يكاد يصدع منها كل صفوان
الى ان قال :
واشرح له ما جرى وهو الخبير به فارزند بالقدح قد يرمي بنيران
الى ان قال :
فانها طخية عمياه قد غشيت على الخلائق من انس ومن جان
ويا لها وقعة ثرت حوادثها بمشمعل اجش الرعد هنان
وقال في يومها الأدهى مؤرخه في كربلاء دهانا رزؤها الثاني

وله المغمور برحمته مرثية أخرى كل شطر منها على انفراد تأريخ سنة النازلة 1216 وأولها :
أريحا فقد لاحت طلايع كربلا لنقبر أشلاء ونسعد مرملا
لنبكي دورا راعها قارع الردى فاوجف منها ما استقر وما علا
لعمري لقد عبت عليها مصائب وجلى عليها الرعب للحتف قسطلا
مبان محا آياتها الويل فانمحت وكلل شأويها الردى فتكللا
فكيف وصرف البين عاثت بنابه وقل رسيميه ونوخ كلكلا
وهب بحق الدين يخفق برقه مصاب بجون الحزن اضحى مجلجلا
يقل بثجاج يزمجر برقه برجف فيثني الدو بالدم اشكلا
وكيف وقد مدت صواعق رعده بها الصدى على طود ربع المصطفى فتزلزلا
فتلكم ربوع الدين قل بها الصدى وتلكم بيوت الوحي قد جابها البلى

( 40 )

نوائب قد فهاجت نوائب أمدن قنا العلياء في زمن خلا
ليبك التقي يوما به أهب التقى ويا لك بيناً زاد جسمي ضنا على

وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر احد ملوك الهند فأشفق على حالتها وبنى فيها أسواقا عامرة وبيوتا قوراء أسكنها بعض من نكبوا وبنى لبلدة سورا حصينا لصد هجمات الاعداء . وأقام حوله الابراج والمعاقل ونصب له آلات الدفاع على الطرز القديم وصارت على من يهاجمها أمنع من عقاب الجو . فأمنت على نفسها وعاد اليها بعض الرقي والتقدم .


( 41 )

حادثة المناخور

وفي سنة 1241 وقعت واقعة عظيمة تعرف بواقعة المناخور ـ أمير الآخور ـ أي أمير الاصطبل . وذلك ان الدولة العثمانية كانت في ذلك الزمن ضعيفة لاحتلال الجيش الانكشاري واستقلال البلاد القاصية واشغالها بمحاربة المعصاة في البلقان وطموح محم علي والي مصر الى الاستقلال واستقلال علي باشا ذلتلي تبه في ألبانيا . وكان واليا لى العراق آن ذاك داود باشا وكان تقيا عادلا ورعا ، مشهورا بالدهاء وفرط الذكاء . الا انه كان شديد الحرص على الانسلاخ من جسم الدولة ، والاستقلال بالعراق اسوة بمن تقدمه . فسعى بادئ ذي بدئ الى جلب قلوب الاهالب بما أنشأ من العمارات والبنايات والجوامع والتكايا . وقرب علماء العراق وبالغ في اكرامهم ونظم جيشا كبيرا وسلحه على الطراز الحديث . حينئذ فقام بعد ذلك سير جيشا ضخما بقيادة أمير اصطبله . وكانت عشيرة عقيل تعضده فأخضع القائد الحلة واستباح حماها ثم جاء كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهرا ولم يقو على افتتاحها لحصانة سورها ومناعة معاقلها ولما رأى ذلك أقلع عنها ثم كر عليها ثانيا وثالثا فلم يفز بأمنيته الا بعد حصار طالت مدته أربع سنوات من سنة 1241 الى سنة 1245 (5) . وةكانت نتيجتها أن اسر الجيش نقيب كربلا فسجنه داود باشا في بغداد .
____________
(5) قال صاحب ( نزهة الاخوان في وقعة بلد القتيل العطشان ـ مخطوط ، تفضيل به السيد حسن الكليدار ـ ) : لقد احصي تسع وقائع وقعت بين الفريقين . كان الفوز فيها من نصيب الكربلائيين وانهزم جند داو باشا .
فالواقعة الاولى هي واقعة ـ القنطرة ـ قتل فيها من الجند ثمانية عشر

( 42 )


____________
رجلا ومن الاهلين رجلان .
الواقعة الثانية : واقعة ( المشمش ) وقد سميت بذلك لان الجند قصدوا ان ينهبوا ، كما أفسدوا الزرع من قبل . وخرج الاهلون على عادتهم الى الجناة فاقتتلوا في أرض الجويبه ، وظهر البلديون على الجنود وهزموهم بعد ان قتل وجرح منهم خلق كثير .
والثالثة : واقعة الهيابي ، وهي من أعظم الوقائع وأشدها هولا . غطيت على أثرها أرض الجويبه وما يليها من أرض الحر والهيابي بجثث القتلى . وقد استمرت المعركة من الصبح الى الظهر . وانهزم الجند بعد أن قتل وجرح منهم جمع غفير . ومن جملة الجرحى القائد الشهير صفوق ـ وهو قائد الحملة ـ . . . ولما تحقق داود باشا من انكسار حملته بقيادة صفوق . عندئذ عقد لواء الحملة الى ـ المناخور ـ وكان هذا بصيرا بالحرب ، مشهورا بالضرب والطعن . سبق له فتح الحلة وماردين . فخرج من بغداد مع 1500 فارس مزدود بالمافع والقنابل ، وانفذ داوود على أثره من أصناف جنوده ، الى طلبه ، والداوديه ، والارسيه ، والتركية ، واليوسفية . ونقل الجند معسكرهم الى جهة الحر . ووصل المناخور الى كربلا فسد عنها الماء ليومه . وفيه تقدم الى المدينة فأطلقت قنابله عليها وهاجمه الكربلائيون ففر اصحابه واغتنمت ميرتهم . وهذه الواقعة هي الرابعة .
والواقعة الامسة : واقعة ( الاطواب ) نسبة الى المدافع . وتسمى أيضاً بوقعة باخية . وهي واقعة عظيمة دامت ست ساعات . اطلقت فيها ( 46 ) قذيفة مدفع . وقيل أكثر من ذلك . ولم تصب أحداً بل كانت تقابل من جانب الاهلين بالهزء والسخرية . وقد قتل وجرح فيها الكثير من أفراد العشائر . وقد أغارت خيل المناخور على المدينة مرات عديدة وباءت كلها بالفشل . وقد خرج اليهم الاهلون فأصابوا من أعدائهم وعادوا ولم يقتل منهم الا شخص واحد ، وجرح أربعة أشخاص . وقد كف الجند عن القتال .
الواقعة السادسة : واقعة ( المخيم ) وهي واقعة عظيمة أيضاً . تبادل فيها الفريقان اطلاق القذائف المدفعية . دمر على أثرها احدى مدافع العدو وقد ابتدأت المعركة منذ الفجر . ولم تمض ساعة حتى أن انهزم العدو ثم عادوا القتال بعد ساعة ، فكثر القتلى والجرحى منهم ففر الجند أيضاً .

( 43 )


____________
وقد أصيب في هذه المعركة أربعة قتلى من الاهلين .
الواقعة السابعة : واقعة ( الراية ) اقتتل فيها الفريقان خارج البلدة انتصر فيها الاهلون واستولوا على خيولهم ومدافعهم وبنادقهم .
الواقعة الثامنة : واقعة ( بني حسن ) وهي عظيمة أيضاً وذلك ان المناخور أحس بعجز جيشه وتخاذلهم . فعدل الى الاستنجاد بالعشائر واجابه فيمن اجاب : بنو حسن ـ ناكثين عهدهم مع أهل كربلاء ضامنين المناخور فتح المدينة ، حتى تقدموا أمامه بع العشاء الآخرة . من جهة المخيم وتمكنوا من عبور الانهار وتسلق الجدران . ونشبت الحرب بينهم وبين الاهلين . وحمل فرسانهم ، وحمل الجند ثلاث مرات . فأحقق الجميع وجرح منهم جماعة .
الواقعة التاسعة : وزاقعة ( الامان ) لان المناخور أوقعها بعد صدور العفو والامان من داود باشا . طمعا بفتح المدينة . فقد تقدم في منتصف ليلة ذي القعدة سنة 1241 ـ قد أطاتل المؤلف في سرد تفاصيل هذه الواقعة واليك مجملها :
فلما باءت كل محاولات داود باشا لاخضاع كربلا بالفشل استنجد بعرب عقيل القصيم والاحساء ، فعسكر هؤلاء على صدر ( الحسينية ) وامر داود بقطع الماء عن كربلا ، ولما لم تجد أيضاً هذه المحاولات فتيلا ، أمر داود باشا أعراب الشامية أن يقطعوا طريق كربلاء وينهبوا السابلة فيها ، وقد ضيقوا الحصار على المدينة وقطعوا الاتصال الخارجي بها ، فعند ذلك لم ير الاهالي بداً غير الصلح مع داود باشا ، فدخل الاخير كربلاء ظافرا .

( 44 )

حادثة نجيب باشا

(1) وفي سنة ( 1258 هـ ) شق أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة ، وأبوا أداء الضرائب والمسكوس وكان والي العراق نجيب باشا قد جهز جيشا بقيادة سعد الله باشا ، وسيره الى كربلاء فحاصره حصاراً شديداً ، وأمطر المدينة بوابل قنابله . ولم يساعده الحظ في افتتاحها لأن سورها كان منيعا جداً وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها ، ولما اعيت به الحيل الحربية ، التجأ الى الخداع فأعطى الأمان للعصاة ، وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤوا طائعين ، قبض عليهم وسلط المدافع على الجهو الشرقية فهدم السور وأصلى المدينة نارا حامية ، ففتجها وارتكب فيها كل فظاعة وشناعة ، ودخل بجيشه الى الصحن العباسي ، وقتل كل من لاذ بالقبر الشريف .
وبهذه الموبقات عادت سلطة الحكومة الى تلك الربوع والله علام الغيوب .
____________
(1) قد جاء في زنبيل قرهاد لميرزا معنمد الدولة عن هذه الحادثة ما ترجمته : بواسطة كثرة الاوباش في كربلاء ـ وكانت آنذاك ملجأ كل مجرم هارب من العقاب حتى صار ينطبق عليها القول المأثور ( من دخلها كان آمنا ) ـ ان بلغ الامر بها الى حد أن خرج الامر من يد حاكم كربلاء ولم يطع هؤلاء أوامر والي بغداد وامتنعوا من دفع الضرائب . وكانوا يعتمدون على الزائرين والمجاورين حتى ان سكنة كربلاء لم يبق لهم المجال في السكنى بها ، وكان الديارماز ـ الاسم الذي عرف به هؤلاء الاوباش ـ يشكلون عصابات ترفع كل منها راية العصيان . ولم يتمكن علي رضا باشا والي بغداد الذي مر على حكمة في بغدادا اثنى عشر عاما ـ من اخماد هذه الفتنة . حتى ان نصبت الدولة العثمانية محمد نجيب باشا واليا على بغداد بعد ان كان واليا على الشام . ( في الدولة العثمانية كان والي بغداد بمثابة وزير ثاني ) وكان هذا سفاكا غدارا معروفا بالمكر ولم يكد يستقر في مركز ولايته الجديدة حتى جهز جيشا جرارا وبعثه صوب كربلاء .
وبعد حصار دام ثلاثة أيام دخل كربلاء . وقد اجرى القتل والأسر

( 45 )

فتنة علي هدله

(1) وفي سنة ( 1293 هـ ) ظهرت فتنة في كربلاء فعرفت بفتنة علي هدله ، وذلك ان جماعة من المفسدين حرصت الأهالي على مناوئة الحكومة وكانت
____________
بدرجة فظيعة . وفي 11 ذي الحجة سنة 1285 هـ أمر بالقتل العام لمدة ثلاث ساعات . ومن المحقق ان تسعة آلاف شخص قد ابيدوا عن آخرهم في تلك المدينة المقدسة ، فضلا عما نهب من الأموال والأحجار النفيسة وأثاث البيوت والكتب التي لا تعد ولا تحصى .
وفي صحن سيدنا العباس ، ربطوا الخيل والجمال ، وقتلوا كل من لاذ بأروقه الحرم الحسيني والعباسي وكذلك فعلوا في البلدة ، سوى دار السيد كاظم الرشتي ، التي كانت دار أمان ، وكل من تمكن من الهروب مجا ومن بقى كان نصيبه القتل ، وهدموا الالواح التي كانت تزين جدران الروضة الشريفة . وبعد القتل العام أصدر الوالي أمرا بتعيين حاكم على كربلاء . وفي اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور رجع نجيب باشا قافلا الى بغداد .
ولابن الالوسي ـ وكان من فضلاء أهل السنة ، وقاضي عسكر نجيب باشا بيتان من الشعر قالهما ارتجالا بعد وقوع الحادثة :
احسين دنس طيب مرقدك الألى رفضوا الهدى وعلى الضلال ترددوا
حتى جرى فلم القضاء بطهرها يوما فطرها النجيب محمد
وقد رده الشيخ عزيز ابن الشيخ شريف النجفي بقوله :
اخساً عدو الله ان نجيبكم رفض الهدى وعلى العمى يتردد
ولئن به وبك البسيطة دنست فابشر يطهرها المليك محمد
وقد ردا أيضاً الحاج ملا محمد التبريزي بقوله :
اخساً عدو الله ان نجيبكم كيزيدكم شرب الماء تعودوا
هذا ابن هند والمدينة والد م المهراق فيها والنبي محمد
وله أيضاً :
تبا لأشقى الأشقياء نجيبكم نصب الحسين وفي لضى يتخلد
لا تعجبوا مما أتى اذ قد أتى بصحيفة ملعونة يتقلد
(1) هذا مجمل الحادثة . أما تفاصيلها فهي كما يلي : في أوائل عام 1293 هـ أعلنت الحكومة العثمانية النفير العام في كربلاء . فأخذت جموع المكلفين بالفرار من سلك الجندية . وكان هناك جاسوس من قبل

( 46 )

افكار الأهالي مستعدة لقبولها . فألفت عصابة بقيادة علي هدله وقابلت الجيش العثماني ودرمته في مواقع متعددة ، ولما رن صدى هذه الحادثة في الاستانة قلق السلطان المخلوع وأصدر ارادة سنية بارسال جيش الى كربلاء
____________
الحكومة على الفارين . وهو مختار باب الطاق المدعو حسين قاسم حمادي فمن كثرة ما اصاب الناس على يد هذا المختار من المحن . ان قتلوه في مقهى المستوفي الواقعة في محلة باب الطاق . فعندما قتل هذا المختار ، تولت الحكومة المحلية القبض على المتهمين ، ففر جماعة منهم وخيموا خارج السور في البستان المعروفة ببستان _ جعفر الصادق ع ) . أخذوا يعبثون بالأمن . وحرضوا الأهالي على مناوئة الحكومة وكانت الأفكار مستعدة لقبولها . فالفت عصابة بقيادة القهواتي ( علي هدله ) وقابلت جيوش العثمانيين ودحرتهم في مواقع متعددة . وكانت عصابتهم تتألف من ( 150 ) شخص ، يقومون بحرب العصابات ، وذلك بتحريص من الحاج محسن كمونة والحاج حسن شهيب ويمدونهم بالمؤنة والذخيرة ، واختلطت معهم بعض أفراد من عشيرة حجيل والزونبات . فاستحفل امرهم حتى رن صدى هذه الحادثة في الأستانة . فقلق السلطان عبد الحميد خان واصدر ارادة سنية بارسال جيش الى كربلاء وهدمها وقتل من فيها عن بكرة ابيهم ، واناط تنفيض الارادة الى عاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا . وكان هذا القائد للجيش فجاء الاثنان الى كربلاء بصحبة النقيب السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني وضربوا المضارب قرب المدينة ، وكان ذلك في أواخر شهر رمضان من عام ( 1293 هـ ) وكان قيام علي هدله في ( 3 ) ربيع الاول من عام ( 1293 ) . فلم ير الوالي آثار العصيان في المدينة ، وقد علم بعد البحث الطويل ان العصاة عصابة ارتكبت اثما واقترفت ذنبا يطاردها الجيش ، وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الارادة السينة على سكانها ، وأخذ البرئ بجزيرة المذنب فأحجم عن تنفيذ الأوامر فنجم من ذلك خلاف بين الوالي عاكف باشا المصر على امر الهدم ، والقائد حسين فوزي باشا فراجع الاستانة خاطباها بالامر ، وبعد اخذ ورد صدر الامر بالعفو ، فرحل الجيش بعد ان قبضوا على مثير الفتنة وموقد نيرانها ، وحوالي ( 70 ) شخصا بضمنهم علي هدله مع المرحوم الحاج محسن كمونه وحسن شهيب وجاعة غيرهم ، فساقواهم الى بغداد واردعوهم السجن في أوج قلعه مدة تزيد على السنة ، ( نقلا من تاريخ كربلاء جـ 3 المخطوط للسيد محمد حسن كليدار ) .
( 47 )

وهدمها وقتل من فيها عن بكرة ابيهم ، واناط تنفيذ هذه المهمة بعاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا . وكان هذا قائدا عاما للجيش فجاء الأثنان الى كربلاء يصحبها احد نقباء بغداد السابقين ، وضربوا المضارب قرب المدينة فلم ير الوالي في المدينة آثار العصيان والتمرد . وقد علم بعد البحث الطويل ان العصاة : عصابة ارتكبت اثما واقترحت ذنبا يطاردها الجيش . وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الارادة السنية على سكانها ، وأخذ البرئ بجريرة المذنب فأحجم عن تنفيذ الاوامر . وفاتح القائد العام ، فأبى هذا الا الاصرار على تنفيذ الاوامر فنجم من ذلك خلاف بينهما ، فراجع الاستانة . وخاطبها بالامر . وبعد أخذ ورد . صدر الامر بالعفو . فرحل الجيش عنها بعد ان قبض على مثيرى الفتنة وموقدي نيرانها . قادهم الى بغداد وهناك القاهم في اعماق السجون والعذاب .